محمود محمود الغراب
180
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
التخلق بالأسماء الإلهية : اعلم أنه كما لا يجتمع الدليل والمدلول ، لا تجتمع أنت وهو في حد ولا حقيقة ، فإنه الخالق وأنت المخلوق - وإن كنت خالقا - « 1 » ، وأنت المملوك وإن كنت مالكا ، فلا يحجبنك الاشتراك في الأخلاق ، فإنك المخلوق وهو الخلاق ، وما عدا هذا مما تشير إليه الصوفية من التخلق ، فهو تلفيق من الكلام ، وقولهم في التخلق بالأسماء كذلك ، فالتشبه بالحق هو المطلوب عند أكثر أهل اللّه ، وأما عندنا فلا يصح التشبه باللّه ، ونحن قد أطلقنا مثل ما أطلقوه ، ولكن عن علم محقق ، وإطلاق مطلق بأدب إلهي عن تحقق ، فهو خلق لا تخلق ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » فهي أخلاق لا تخلّق ، فإن الذي هو له ما هو لك ، وإن الذي هو لك ما هو له ، فأنت لك بما أنت ، وهو له بما هو ، والحقائق لا تنقلب ولا تتبدل ، فما تخلق متخلق بأخلاق غيره ، وإنما أخلاقه ظهرت عليه لأعين الناظرين ، ولا تحقق متحقق بحدود غيره ، فإن الحد لا يكون لغير محدود ، ولا سيما الحدود الذاتية ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأشج عبد القيس : « إن فيك خصلتين يحبهما اللّه ورسوله ، الحلم والأناة » فقال الرجل : « يا رسول اللّه أشيء جبلت عليه » قال : « نعم » قال : « الحمد للّه الذي جبلني عليهما » أو كما قال ، فمن الأخلاق ما يكون في جبلة الإنسان ، ومنها مكتسبة ، فالمكتسبة هو الذي يعبر عنه بالتخلق ، وهو التشبه بمن هو فيه هذه الأخلاق الكريمة ، جبليّة في أصل خلقه ، لذلك نرى العارفين من عباد اللّه ، يجعلون بينهم وبين نعوت الحق عند التخلق بأسماء اللّه ، ما وصف اللّه به الملأ الأعلى من تلك الصفة ، فيأخذونها من حيث هي صفة لعبيد من عباد اللّه مطهرين ، لا من حيث هي صفة للحق تعالى ، فإن شرفهم أن لا يبرحوا من مقام العبودية ، وهذا الذوق في العارفين عزيز ، فإن أكثر العارفين يتخلقون بالأسماء الحسنى من حيث هي أسماء اللّه تعالى ، لا من حيث ما ذكرناه من كون الملأ الأعلى قد اتصف بها على ما يليق به ، فلا يتخلق العارف بها إلا بعد أن اكتسبت من اتصاف الملأ الأعلى روائح العبودة ، فمثل هؤلاء لا يجدون في التخلق بها طعما للربوبية التي تستحقها هذه الأسماء ، فمن عرف ما ذكرناه ، وعمل عليه ، ذاق من علم التجلي ما لم يذقه أحد ممن وجد طعم الربوبية
--> ( 1 ) من قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وقول عيسى عليه السلام أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ .